الناس وأنا
عجبتُ لعُمْرى كيف يجرى ويسرعُ
و للنفسِ إذْ تلهو به بل تضيّعُ
و ليس أمامى فرصةٌ غير صدرهِ
و لكنّنى جهْلاً إلى الذيل أهرعُ
أبالـغُ فى تضيـيع أيامهِ سدىً
و ليس حصيفاً من ليومٍ يضيّعُ
كجـدول مـاءٍ من علٍ صبَّ ماءَهُ
حياتى وعمرى فهو فى الجرى أسرعُ
تسـير بنا الأيـامُ عـدْواً و همـةً
كمن يعبر الدرب القصير و يقطعُ
كحلْمٍ جـميلٍ يحسب الـمرءُ أنَّهُ
سيبقى فيفنى حينما الصبحُ يطلعُ
و أزرع أزهاراً و أشقى بشوكها
و ما كلُّ زرعٍ يزرعُ المرءُ ينفعُ
و أقتنص اللـذاتِ أنّى وجـدْتُها
و لكنّنى من قنصها لستُ أشبعُ
و أعلم أنّ العمر رزْقٌ مـحدّدٌ
و أسرفُ فى إنفاق ما ليس يُجمعُ
و يبدو جـمال الحقِّ للبعض ِ رائعاً
و عند كثيرٍ خُدعةُ الوهمِ أروعُ
عجبتُ لأمر الناس فى كل حالهم
تضيق بهم آمـالهم وهْى أوسعُ
يقولون " إنَّ الربَّ و العمرَ واحدٌ "
وعادوا فعادوه و للعمر ضيّعوا
وحاولتُ فهمَ الناس وسْعى فلم أفزْ
بغير سرابٍ غائمِ الوجه يلمعُ
وعانيتُ منهم كلَّ حينٍ مكيدةٌ
أبيـت عـليها أشهراً أتوجعُ
و لما نويت البعدَ عنهم سلامةً
فشلتُ فلى منهم جذورٌ و أفرعُ
فأجتاز دربى عائداً نحو سربهم
فقلْبى لهم عشٌّ و بيتٌ ومهجعُ
ألسنا ضـحايا للحـياة ؟ جميعُنا
ضـحايا و لكنّا ذئـابٌ و أضْبُعُ
ذئابٌ و أنكى فالذئابُ رحيمةٌ
على جنسها ليستْ تجور ُوتضبعُ
فما أغرب لإنسان يبكى بحرقةٍ
لبعد حبيـبٍ يختفى أو يُشيّعُ
و يمزق أجـساداً لأبناء جنسه
و ينهشُ فى أكبادهم أو يقطعُ
عجبْتُ لمن يبغى حـياةً مـديدةً
و أيامـها عُنْفاً لخـديْهِ تصفعُ ؟
فتغتال ما يبنى و تسلب ما جنى
و تحصد حصداً كل ما كان يزرعُ
و إن تحْلُ أحـياناً فإنّ جـمالها
مزيـجٌ مـن السم الذى بات يُنقعُ
وإنْ قدمتْ كأساً من الشهد مرّةً
فإنّ كؤوس المرِّ من بعدُ تُتْرعُ
وكم دللتْ غراً و أعلتْ بناءهُ
وعادتْ فدكتْ كلَّ ما كان يرفعُ
تجمِّعنا الأيام لكن لحكمةٍ
تفـرق مـا كـانت قديماً تجمِّعُ
وتُضحكنا حتى لتهمى دموعنا
و ترجع تضنينا فتترى المـواجعُ
كأنَّ ليالينا ظماءٌ إلى الأسى
و يروى صـداها حزننا و المدامعُ
ولو أنّ دمع العين يأتى براحلٍ
لـما بقيت فى أعين الناس أدمعُ
ولكنّه الناموس فى الكون حاكمٌ
و لم تُثنه منا المنى و النوازعُ
ومن غاص فى بحر الحياة و موجها
فـلابد مـن يومٍ إلى البرِّ طالعُ
وحيداً فريداً باحثاً عن مصيرهِ
ليجنى فى أخراهُ ما كان يزرعُ
فزعْتُ لربى أحتمى فى أمانه
لمن غيرهِ فى ساعةِ الخوف أفزعُ
ولذتُ بجاه المصطفى علَّهُ غداً
يرقُّ لـحـالى فى المعاد ويشفعُ
7/10/1995
كتبها بدر بدير في 07:43 صباحاً ::
